اقترح باحثون في جامعة كوين ماري في لندن فكرة لافتة تربط أعمق قوانين الفيزياء بوجود الحياة نفسها. يشير عملهم إلى أن الثوابت الأساسية للكون تقع ضمن نطاق ضيق للغاية يسمح للسوائل بالتدفق بطرق تعتمد عليها الخلايا الحية. لو كانت هذه الثوابت مختلفة ولو قليلاً، لربما تصرفت المياه والدم والسوائل الأخرى الداعمة للحياة بشكل مختلف لدرجة أن الكائنات المعقدة ربما لم تظهر أبدًا.
الدراسة، المنشورة في مجلة Science Advances عام 2023، تبني على عمل سابق للفيزيائي كوستيا تراتشينكو وزملائه أظهر أن لزوجة السوائل مرتبطة مباشرة بالثوابت الفيزيائية الأساسية. هذا الاكتشاف وضع حدًا أدنى لمدى "سيولة" السوائل. البحث الأحدث وسع الفكرة إلى علم الأحياء، متسائلاً عما إذا كانت نفس القواعد الفيزيائية التي تشكل الكون قد تحدد أيضًا ما إذا كانت الخلايا قادرة على العمل.
تعتمد الحياة على الحركة على المستويات المجهرية. يجب أن تنتقل العناصر الغذائية عبر الخلايا، وتحتاج البروتينات إلى الطي بشكل صحيح، وتنتشر الجزيئات باستمرار عبر البيئات المائية. كل هذا يعتمد على اللزوجة، الخاصية التي تحدد مدى سهولة تدفق السائل.
وفقًا للباحثين، يبدو أن الكون يعمل ضمن نافذة ضيقة بشكل مدهش "صديقة للحياة" حيث تظل اللزوجة والانتشار مناسبيْن للحياة. إذا تحولت الثوابت التي تحكم الفيزياء بنسبة قليلة فقط، فقد تصبح السوائل الأساسية للبيولوجيا أكثر سمكًا أو أرق بشكل كبير.
قال أستاذ الفيزياء كوستيا تراتشينكو: "تبين أن فهم كيفية تدفق الماء في كأس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحدي الكبير المتمثل في فهم الثوابت الأساسية. تتطلب عمليات الحياة داخل وخارج الخلايا الحية حركة، واللزوجة هي التي تحدد خصائص هذه الحركة. إذا تغيرت الثوابت الأساسية، ستتغير اللزوجة أيضًا، مما يؤثر على الحياة كما نعرفها. على سبيل المثال، إذا كانت لزوجة الماء مثل لزوجة القطران، لما كانت الحياة موجودة بشكلها الحالي أو لما كانت موجودة على الإطلاق. هذا ينطبق إلى ما هو أبعد من الماء، لذا فإن جميع أشكال الحياة التي تستخدم الحالة السائلة للعمل ستتأثر."
يقول الفريق إن العواقب ستمتد إلى أبعد من مياه الشرب أو المحيطات. دم الإنسان والسوائل الخلوية والكيمياء التي تغذي الحياة كلها تعتمد على خصائص تدفق متوازنة بعناية.
أضاف تراتشينكو: "أي تغيير في الثوابت الأساسية، سواء بالزيادة أو النقصان، سيكون خبرًا سيئًا بنفس القدر للتدفق وللحياة القائمة على السوائل. نتوقع أن تكون النافذة ضيقة جدًا: على سبيل المثال، لزوجة دمنا ستصبح سميكة جدًا أو رقيقة جدًا لأداء وظائف الجسم مع تغيير بنسبة قليلة فقط لبعض الثوابت الأساسية مثل ثابت بلانك أو شحنة الإلكترون."
لطالما ناقش الفيزيائيون لماذا تبدو ثوابت الكون مضبوطة بدقة. الاختلافات الصغيرة في قيم مثل شحنة الإلكترون أو قوة القوى الأساسية قد تمنع النجوم من تكوين العناصر الثقيلة اللازمة للكواكب والحياة.
ما يجعل هذا البحث غير عادي هو أنه ينقل النقاش من النجوم والمجرات إلى مستوى الخلايا الحية. غالبًا ما ركزت حجج الضبط الدقيق السابقة على التفاعلات النووية داخل النجوم. يجادل هذا العمل بأنه حتى لو تشكلت النجوم والعناصر الثقيلة، فقد تظل الحياة مستحيلة إذا لم تستطع السوائل التدفق بشكل صحيح داخل الكائنات الحية.
هذا يقدم طبقة ثانية من الضبط الدقيق. لا تبدو الثوابت متوافقة فقط مع كون مليء بالمادة، ولكن أيضًا مع الأنظمة البيولوجية التي تعتمد على ديناميكيات السوائل الدقيقة.
يقترح الباحثون حتى أن مراحل متعددة من الضبط قد حدثت. في الورقة، يقارن تراتشينكو هذا الاحتمال بالتطور البيولوجي، حيث تظهر الصفات بشكل مستقل بمرور الوقت. تظل الفكرة تخمينية، لكنها تثير احتمال أن الطبيعة قد تفضل الهياكل الفيزيائية المستقرة بطرق لا يفهمها العلماء بعد بشكل كامل.
منذ النشر الأصلي، واصل العلماء استكشاف كيفية ارتباط اللزوجة والانتشار وسلوك السوائل بالفيزياء الأساسية.